أبي منصور الماتريدي

316

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - والأعمال خارجة عن مسمى الإيمان » . ولقد نحا متأخرو الأشاعرة هذا المنحى في تفسير معنى الإيمان . يقول الإيجي : « الإيمان تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما علم مجيئه به ضرورة - أي : فيما اشتهر كونه من الدين - فتفصيلا فيما علم تفصيلا ، وإجمالا فيما علم إجمالا » . وأما الماتريدية فإنهم يرون أن الإيمان هو : « تصديق بالقلب وإقرار باللسان » ، فهم لم يحصروا حقيقته في التصديق فقط مثلما قال الأشاعرة ، لكنهم - أي الماتريدية - يشترطون الإقرار مع التصديق ، ولا يكفي الإقرار وحده في صحة الإيمان عند الماتريدية ، وإلا للزم الحكم بإيمان المنافقين ، وكذلك فالتصديق وحده على حد قول الماتريدية ليس يكفي في صحة الإيمان وإلا للزم الحكم على أهل الكتاب كلهم بالإيمان . ولقد ذهب الماتريدية في ذلك مثلما ذهب أبو حنيفة ؛ إذ قال : « الإيمان إقرار باللسان ، وتصديق بالجنان ، والإقرار وحده لا يكون إيمانا ؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين ، وكذلك المعرفة وحدها . وبهذا لا يكون مجرد التصديق إيمانا ؛ إذ لو كان كذلك لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين ، ولقد قال اللّه - عزّ وجل - في شأن المنافقين : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] ، أي : لا تصديق لهم لكذبهم في دعواهم ، وقال اللّه - سبحانه - كذلك : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [ البقرة : 146 ] وبهذا يتضح أن مجرد الإقرار ليس يكفي ، وكذلك التصديق فإنه ليس يكفي ، إذن لا بد أن يكون كل منهما منضما إلى الآخر . لكن سؤالا مهمّا يجب طرحه هنا في خصوص ما قال به الإمام أبو حنيفة وهو : إذا كان الإمام أبو حنيفة قد قال بأن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان ، فهل يعني هذا أنه قد جعل الإقرار شرطا للإيمان أو - على الأقل - ركنا له ؟ وما ذا نقول مثلا - تبعا لما يقول به الإمام أبو حنيفة - في قوم صدقوا بقلوبهم وأقروا بخلاف الذين صدقوا به ، مع أن القرآن قد أيدهم ، فقال اللّه - جل وعزّ - : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] . والإمام أبو حنيفة يقول : بأن الإقرار وإن كان شرطا إلا أنه قد يحتم سقوطه مع صحة إيمان صاحبه ، وهذا في حالة الإكراه ، مثلما كان المشركون يفعلون مع بعض الصحابة الذين نزلت فيهم الآية السابقة . وبهذا يكون التصديق على مراتب ثلاث : الأولى : الذي يصدق بقلبه ويقر بلسانه ، فهذا يكون مؤمنا عند اللّه وعند الناس . الثانية : الذي يصدق بقلبه ويكذب بلسانه ، فهذا نوع قد اضطرته أحواله وظروفه ، وهو ما نزلت فيه الآية السابقة . الثالثة : الذي يصدق بلسانه ويكذب بقلبه ، وهذا هو المنافق ، ولقد قال اللّه - تعالى - في هذا النوع : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ . . . [ المنافقون : 1 ] . ومما سبق يتضح مما قاله الإمام أبو حنيفة أنه رغم جعله الإقرار باللسان ركنا - أو شرطا على الأقل - في الإيمان ، إلا أنه قد جعله ركنا زائدا غير أصيل ، ومجرد شرط لإجراء الأحكام في دار الدنيا . ويوضح هذا ما قاله الإمام ابن الهمام الحنفي : « الإيمان تصديق بالقلب واللسان ، ويعبر عنه بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان ، وهو منقول عن أبي حنيفة ومشهور عن بعض أصحابه » . والذي قال به الإمام أبو حنيفة وعرضه الإمام ابن الهمام كان مذهب متقدمي الماتريدية ومتأخريهم ، ويؤيد هذا ما قاله أبو اليسر البزدوي الذي يعد من متأخري الماتريدية حيث يقول : -